سيد محمد طنطاوي
378
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - تعالى - : * ( وإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ) * أي : وهلا نظروا إلى السماء نظر اعتبار واتعاظ ، فعرفوا أن الذي خلقها هذا الخلق البديع ، بأن رفعها بدون أعمدة . . هو اللَّه - عز وجل - . * ( وإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ) * أي : كيف وجدت بهذا الوضع الباهر بأن نصبت على وجه الأرض نصبا ثابتا راسخا . يحمى الأرض من الاضطراب والتزلزل . * ( وإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ) * أي : كيف سويت وفرشت وبسطت بطريقة تجعل الناس يتمكنون من الانتفاع بخيرها ، ومن الاستقرار عليها ، وهذا لا ينافي كونها كروية ، لأن الكرة إذا اشتد عظمها . . كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الانتفاع بها . وبعد هذا التوبيخ لأولئك المشركين الذين عموا وصموا عن الحق ، ولم ينتبهوا لآيات اللَّه - تعالى - الدالة على قدرته ووحدانيته . . أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يداوم على التذكير بدعوة الحق ، فقال : * ( فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ) * . والفاء في قوله * ( فَذَكِّرْ ) * للتفريع ، وترتيب ما بعدها على ما قبلها . والأمر مستعمل في طلب الاستمرار والدوام في دعوته الناس إلى الحق ، ومفعول : « فذكر » محذوف للعلم به . وجملة « إنما أنت مذكر » تعليل للأمر بالمواظبة على تبليغ الناس ما أمره بتبليغه . والمصيطر : هو المتسلط ، المتجبر ، الذي يجبر الناس على الانقياد لما يأمرهم به . وقد قرأ الجمهور هذا اللفظ بالصاد ، وقرأ ابن عامر بالسين . أي : إذا كان الأمر كما بينا لك - أيها الرسول الكريم - من أحوال الناس يوم الغاشية ، ومن أننا نحن الذين أوجدنا هذا الكون بقدرتنا . . فداوم - أيها الرسول الكريم - على دعوة الناس إلى الدين الحق ، فهذه وظيفتك التي لا وظيفة لك سواها ، وكل أمرهم بعد ذلك إلينا ، فأنت لست بمجبر لهم أو مكره إياهم على اتباعك ، وإنما أنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب . وقوله - سبحانه - : * ( إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وكَفَرَ . فَيُعَذِّبُه اللَّه الْعَذابَ الأَكْبَرَ ) * كلام معترض بين قوله : * ( فَذَكِّرْ . . . ) * وبين قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ) * والاستثناء فيه استثناء منقطع ، و « إلا » بمعنى لكن ، و « من » موصولة مبتدأ . . والخبر . « فيعذبه اللَّه العذاب الأكبر » . . أي : داوم - أيها الرسول الكريم - على التذكير . . لكن من تولى وأعرض عن تذكيرك وإرشادك ، وأصر على كفره ، فنحن الذين سنتولى تعذيبهم تعذيبا شديدا .